ساسي سالم الحاج
221
نقد الخطاب الاستشراقي
وأشرنا كذلك في الكتاب ذاته ، كيف أن المستشرق « روبسون » قد أقرّ بمكانة السنّة كمصدر من مصادر الفقه الإسلامي تأتي في المرتبة بعد القرآن ، ولكنه يؤكد أن هذه النتيجة لم تكن إلّا وليدة تطوّر طويل . وهو بالتالي ينفي أن تكون مصدرا تشريعيّا في الفترة المبكرة التي نؤرّخ لها . ودرسنا باستفاضة في مبحث سابق آراء « شاخت » حول مكانة السنّة في التشريع ، وكيف أنه سلّم بأهمية القرآن كمصدر رئيس للتشريع الإسلامي ، ولكن السنّة لم تكن في هذه المرتبة أو المكانة إلّا بعد أن قرّر الشافعي مكانتها السماوية للقرآن في التشريع باعتبار أن أحاديث الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وأفعاله وتقريراته تعتبر من الوحي ذاته شأنها في ذلك شأن القرآن . ونوّهنا بنتيجته العلمية التي وصل إليها في هذا الصدد عندما ثنّى على آراء واستنتاجات « جولدزيهر » بالخصوص ، واتفقا معا على أن معظم الأحاديث المنسوبة إلى الرسول لم تكن موجودة في الزمان الذي ادعى أنها تنتمي إليه ولكنها خضعت لتطورات متلاحقة في القرون الإسلامية الأولى . ورأينا في هذا المطلب كيف أن « شاخت » في كتابه « مدخل إلى القانون الإسلامي » أهمل إشارته مطلقا إلى السنّة باعتبارها مصدرا أساسيّا من مصادر التشريع في عهد الرسول . ونحن وإن كنّا سنعود إلى دراسة آراء « شاخت » في مباحث مقبلة ، إلّا أننا نود الإشارة منذ البداية إلى أن كتابه : « أصول الشريعة المحمدية » لا يخرج في مجمله على أن مصدري التشريع الإسلامي الأساسيين هما القرآن والسنّة ، ولكن السنّة لم تكن كذلك في العهود الإسلامية المبكرة ، ولم تأخذ هذه الصفة إلّا بعد أن جذّرها الشافعي وقعّد لها القواعد لتصبح كذلك . مع إصراره دوما على أن مادة هذا التشريع الإسلامي ترجع إلى أعراف العرب القبلية وعاداتهم قبل ظهور الإسلام ، وقد أطلق « شاخت » مصطلح « سنّة الناس » على هذه الأعراف التي يرى أن الفقه الإسلامي قد استمدّ منها العديد من أحكامه . كما أكّد « شاخت » في كتابه المشار إليه أن الرسول - عليه السلام - لم يأت بنظام تشريعي من كل جوانبه ، وإنما أخذ سنّة العرب وعاداتهم القبلية ليغيّر فيها بما يلائم العقيدة الجديدة ، وكان هذا التغيير قد اتخذ مظهرين أساسيين ؛ أولهما : القرآن ، وثانيهما : أحاديثه وتفسيره للقرآن . ولكن شاخت بالرغم من إقراره بهذه النتيجة